خير الدين الزركلي

16

الأعلام

وعانيت في تراجم المعاصرين نصبا ، بدت لي فيه ظاهرة خلقية غير مرضية ، في كثير ممن كتبت إليهم أو كلمتهم ، لاستكمال نقص في ترجمة أب لهذا أو أخ أو قريب لذاك ، ولم يفعلوا . أما خطوط المترجم لهم ، فكانت بداية أمرها معي ، كذلك الذي يكون ، أول ما يكون ، مجانة ، فإذا تمكن صار شغلا شاغلا ! عرض لي وأنا أتلقط صور الأقربين عهدا ، من هنا وهناك ، أن لبعض من تقدم بهم الزمن ، ما قد يحل محل الصورة ، من توقيع أو إجازة أو تملك . وبدأت أنظر فيما بين يدي من أسانيد وأثبات ورقاع . ثم اندفعت أنقب عن خطوط المصنفين في أوائل كتبهم وأواخرها ، وبين سطور ما نسخ على عهدهم منها . ونشط البررة من إخواني فأمدوني بالتحف النفائس منها . وتهيأت لي رحلات ، اقتنصت فيها خطوطا لم أكن أحلم ببقائها . وتفتحت أمامي أبواب المتاحف والمكتبات ومخلفات الخزائن السلطانية والبيوت العريقة في القدم ، فإذا بي ، والأفق أمامي لا نهاية له ، كخائض البحر أيام الجزر ، داهمه المد ! . والخطوط ، إلى جانب قيمتها الأثرية ، فلذ من أرواح أصحابها أبدية الحياة ، يكمن فيها من معاني النفوس ، ما لا تعرب عنه صور الأجسام . والعهد بالحرص عليها ، قديم ، قال ابن النديم ( 1 : 40 - 41 ) وهو من أبناء القرن الخامس للهجرة ، الحادي عشر للميلاد ، ما مؤداه : كان بمدينة ( الحديثة ) رجل يقال له ( محمد بن الحسين ) أخرج لي قمطرا كبيرا ، خصه به رجل من أهل الكوفة ، فيه أنواع مختلفة من الورق ، تشتمل على تعليقات عن العرب وقصائد وحكايات وأخبار وأنساب ، وعلى كل جزء أو ورقة أو مدرج ، توقيع بخطوط العلماء ، واحدا إثر واحد ، يذكر فيه خط من هو ، وتحت كل توقيع توقيع خمسة أو ستة من العلماء بشهادة بعضهم على خطوط بعض ، ورأيت أربع أوراق كتب عليها أنها بخط ( يحيى بن يعمر ) وتحت هذا الخط ، بخط عتيق : ( هذا خط علان النحوي ) وتحته : ( هذا خط النضر بن شميل ) قال ابن النديم : ومات الرجل ففقدنا القمطر . وكان فيما أخذت عنه للطبعة الأولى ، فهارس مكتبات فاتني العزو إليها وغابت عني أسماؤها ، فتداركت في هذه الطبعة ما استطعت تداركه . واكتفيت للتعريف بأماكن ما زاد فيها من المخطوطات ، بالإحالة إلى مصادرها . وقلت فيما تهيأ لي الاطلاع عليه منها أو اقتناؤه : هو في خزانة فلان ، أو هو عندي ، لئلا يذهب سعي الباحث عنه سدى .